الأموال
الأموال

كُتاب الأموال

د.محمد فراج يكتب : حكومة شريف إسماعيل.. نفس الأخطاء القديمة!!

-

بصراحة تامة كاتب هذه السطور غير متفائل إطلاقاً بالتعديل الوزارى الأخير، وبأى تعديل وزارى يغيّر الأشخاص ولا يُغيّر السياسات التى ثبت فشلها.. ويتم بنفس الطريقة المرتجلة، التي يتسم بها أداء حكومة المهندس شريف إسماعيل وتعديلاته وإجراءاته، مع كامل احترامنا لشخصه وللوزراء الذين يأتى بهم أو يتخلص منهم.

والواقع أن غياب المعايير في اختيار الوزراء هو أحد أبرز أوجه القصور التي تلفتا لنظر في تشكيل الوزارة، والتى تجعل عدم التفاؤل ـ إذا استخدمنا تعبيرا متحفظاً ــ يسيطر على المراقب الموضوعى.. وإذا كان تحقيق إنجاز محق في مجال التخصص واحدًا من أهم معايير اختيار الوزير، وحسن إدارته لملفات وزارته هو أحد ضرورات استمراره فيها، فإن شرط النزاهة ونظافة اليد هو شرط حاسم فى اختيار الوزير أو أى مسئول فى أى وقت من الأوقات، وخاصة في مرحلة كالتى نمر بها، والتى تطرح فيها قضية مكافحة الفساد باعتبارها قضية الساعة، وبصورة أخص فى المواقع التي شهدت ـ ولا تزال ـ قضايا فساد كبرى، ويفترض أن تكون في بؤرة اهتمام الأجهزة الرقابية المتعددة كالجهاز المركزى للمحاسبات، والرقابة الإدارية ومباحث الأموال العامة وغيرها، ومن أبرزها وزارة الزراعة المعروفة بأنها من أكبر مراتع الفساد في البلاد.

فليس معقولا أن يعد تجربة يوسف والي الطويلة والمؤلمة، ورجاله ومن أبرزهم يوسف عبدالرحمن المسجون حاليا علي ذمة قضية المبيدات المسرطنة وغيرها، ثم بعد سجن وزير الزراعةا لأسبق بتهمة الرشوة.. أن يتم اختيار وزير جديد للزراعة من رجال يوسف والي ويوسف عبدالرحمن، ثم تقديم بلاغات متعددة ضده إلي النائب العام ومباحث الأموال العامة!! (الدكتور عبدالمنعم البنا).. وبغض النظر عن حفظ التحقيق في بعض هذه البلاغات، أو عدم انتهاء التحقيق في بعضها الآخر، ومع احترامنا للقاعدة القانونية التي تقول بأن المتهم برىء حتى تثبت إدانته، فما بالك إذا لم يكن قد تم تقديمه للمحاكمة أصلا.. فإن حسن سمعة المرشح للوزارة، وعدم تطرق الشكوك إلى نزاهته هو شرط حاسم لمجرد التفكير في توليه المنصب الوزارى.

وحين يستضيف برنامج تليفزيونى شهير «العاشرة مساء» الذى يقدمه الإعلامى وائل الإبراشى لا يمكن اتهام مقدمه بالعداء للدولة ولا للحكومة، أو الجلوس في مقاعد المعارضة ـ بفرض أن المعارضة تهمة ـ حينما يستضيف المسئول السابق عن التفتيش المالي في وزارة المالية، وحين يقدم هذا المسئول دقائق عديدة علي الهواء، ويقول إنه قد تقدم ببلاغات على أساسها إلى مباحث الأموال العامة وإلى النائب العام ضد وزير الزراعة الجديد «د. عبدالمنعم البنا».. وأنه مستعد لمواجهة التحقيق والمحاكمة.. ويقول: «حاكمونى أو حاكموه».. فإن هذا التحدي العلنى علي الهواء، يشير إلي وجود ما يوجب التريث، وما كان ينبغى أن يلفت نظر الأجهزة الرقابية، وأن يدفعها إلي التقليب بعناية شديدة في صفحات علاقاته القديمة برموز الفساد في الوزارة.

التفاصيل شديدة الخطورة، ولا يتسع المقام هنا للدخول فيها.. ويكفى أن نذكر عناوينها.. ومنها الاستيلاء علي مئات الأفدنة من أراضى شباب الخريجين لنفسه ولغيره من قيادات الوزارة بسعر «50 جنيها للفدان!!» وتخصيص مكافآت مالية ضخمة لنفسه ولغيره من قيادات الوزارة ومركز البحوث الزراعية ـ الذى كان يرأسه ـ والإهمال الجسيم في أفضل الأحوال ـ الذى أدى إلي استيلاء آخرين على أراضى قدَّرتها وزارة الزراعة نفسها بـ2.4 مليار جنيه عبر عمليات مشبوهة من أراضي مركز البحوث الزراعية نفسه.. الخ..

وإذا كان الوزير المذكور لم (يظهر كرامة) علمية أو فنية أو إدارية تستدعى اختياره أصلا، فما الذى كان يدعو لترشيحه للوزارة؟!! أما إذا كانت قد قدمت ضده بلاغات بهذه الخطورة، فكيف أمكن أن يحصل على الضوء الأخضر للترشح من جانب الأجهزة الرقابية؟!! وهل رئيس الوزراء علي علم بذلك كله.. أم أنه لم يعرف عنه شيئا؟!! والنتيجة مصيبة كبري في الحالتين.

مثال آخر.. وزير الصحة الذى اتهم اثنان من مستشاريه بالفساد والرشوة.. وهو نفسه الذى عينهما.. وتم تقديمهما للمحاكمة والذى أدار ملف أسعار الأدوية بارتباك شديد، أدى إلي مشكلات جدية مع شركات صناعة الأدوية ومع نقابة الصيادلة، وإلي غضب جماهيرى واسع.. وكانت كل التوقعات تشير إلي خروجه في التعديل الوزارى.. علماً بأن ممارساته حينما كان جراحاً في أحد مستشفيات القاهرة تثير تساؤلات جدية حول نزاته ـ فكيف تم اختياره أولا؟ ثم كيف تقرّر استمراره في الوزارة؟

ومثال آخر من وزارة التموين.. حينما تمت إقالة الوزير الأسبق خالد حنفي بعد لغط طويل حول علاقته برجال الأعمال وإقامته في فندق 5 نجوم وقرارات مشبوهة اتخذها وتتصل بالتصدير والاستيراد، وحقق مافيا الاستيراد مكاسب ضخمة من ورائها، ثم قضية التزوير الخطيرة في توريدات القمح.. الخ، ومع ذلك سُمح له بالاستقالة دون تحقيق، ولم يتم استكمال عمل لجنة تقصى الحقائق البرلمانية في قضية توريدات القمح، ولم يقدم الوزير حتي إقرار الذمة المالية الذى يثبت ادعاءه بقدرته علي إنفاق 7 ملايين جنيه من ماله الخاص علي نفقات الإقامة بالفندق الفاخر علي مدي سنتين!!

ثم جاء المهندس شريف إسماعيل بوزير جديد لـ«التموين والتجارة الداخلية» كل مؤهلاته أنه كان مديرًا لسلاح الإمداد والتموين في الجيش مع التباين الواسع جدًا في نطاق ومستوى الخبرة بين عمله السابق، وبين وزارة تتصل بمصالح عشراتا لملايين من المواطنين، وتتبعها شركات قابضة ضخمة للاستيراد التجارة وصوامع قمح و.. و..و.. ومن بينها مثلا هيئة السلع التموينية التي تبلغ ميزانيتها نحو 50 مليار جنيه والمسئولة عن دعم السلع التموينية والخبز، واستيراد القمح.. الخ.. وكلها عمليات اقتصادية وإدارية ضخمة وشديدة التعقيد، تتصل بوزارات وهيئات ومصالح عديدة، تستدعى أن يكون من يديرها يفهم في الاقتصاد (أولاً).. ثم أن يكون لديه خبرة فى إدارة عمليات اقتصادية ضخمة ومعقدة (ثانياً).. وأن تكون لديه رؤية سياسية تجعله قادرًا على حساب أثر قراراته في مجال شديد الحساسية (ثالثاً) وقد أثبتت التجربة الفشل الذريع للوزير السابق.. ولكن ألم يكن يمكن التنبؤ بذلك مسبقاً لو أن مسألة (المعايير) كانت قد خلت بجدية في قرار اختياره؟؟

ويكفي أن نشير إلي الانعدام التام للرؤية السياسية والاجتماعية لدى اللواء المصيلحى، بمثال ذكرته جريدة «المصرى اليوم ـ بتاريخ 12 فبراير 2017 ـ ص3» علي لسانه شخصياً ـ حيث تسببت قرارات الوزير الخاطئة في إيقاف 12 مليون بطاقة تموينية بسبب نقص في بياناتها!! ثم اضطر لإلغاء الوقف نتيجة لاعتراض المحافظين، بسب ما أثاره القرار من غضب، مع اقتراب ذكرى 25 يناير، ومخاوف المحافظين من حدوث مظاهرات!! وقد أدلي الوزير الهُمام بهذه التصريحات في اجتماع للجنة الاقتصادية بمجلس النواب!!

أما الوزير الجديد الدكتور علي المصيلحى فهو لواء مهندس سابق، كان آخر وزير للتموين في عهد مبارك، وأحدا لمقربين من جمال مبارك، ومعروف بمواقفه المؤيدة لما يطلق عليه «السياسات غير الشعبية».. ولا نفهم ما هى الحِكمة فى إعادته إلى الوزارة التى أطاحت به منها ثورة شعبية، وكانت من أسباب السخط الشعبي ضد مبارك ونظامه، مع التسليم بأنه من خبراء الاتصالات والتكنولوجيا الأكفاء، وأنه حظى بثقة ناخبي دائرته، ثم انتخب رئيساً للجنة الاقتصادية في مجلس النواب لأسباب تتصل بتوازنات سياسية وانتخابية أساساً.. علماً بأنه كان قبل ذلك مرشحاً لتولي وزارة الاستثمار!!

ولسنا بحاجة إلى القول بأن كلنا الوزارتين تحتاج أساساً إلي خبرة اقتصادية وعلم اقتصادى قبل كل شيء، بالإضافة إلى الرؤية السياسية الواضحة، وإلي حساسية سياسية وجماهيرية خاصة فيما يتصل بوزارة التموين بالذات لعلاقتها بمصالح أوصع الفئات الشعبية.. ولن نتحدث هنا عن الفارق المفترض بين سياسة نظام مبارك والعهد الحالى، فهذا موضوع يطول شرحه.. ولكن.. مرة أخرى تبرز هنا مسألة المعايير والخبرة والإنجاز.. والتي كان يمكن أن ترشح الدكتور علي المصيلحى لوزارة الاتصالات مثلا، ولكن بالتأكيد ليسلوزارة الاستثمار، فالمؤكد أن الإطاحة بوزيرتها السابقة «داليا خورشيد» إحدى موظفات إمبراطورية ساويرس الاقتصادية قد أثارت ارتياحاً واسعاً نظرا لانعدام كفاءتها الواضح تماما، والذى يجعلنا نقول إن اختيارها أصلا كان خطأ فادحاً.. غير أن إسناد تلك الوزارة إلي وزيرة التعاون الدولي الدكتورة سحر نصر بالإضافة إلى وزارتها الأصلية هو إجراء غير موفق ليس من زاوية ضخامة الأعباء فحسب، نظرا لأن وزارة التعاون الدولي نفسها هى وزارة كبيرة وعملها معقد بما فيه الكفاية.. كما أن وزارة الاستثمار هي الأخرى وزارة ضخمة وعملها يحتاج إلى تفرغ لن يتاح للدكتورة سحر نصر بالطبع ـ غير أن الأمر الأهم هو أن عمل وزارة الاستثمار يتصل بقطاعات وقضايا اقتصادية ذات علاقة بقطاع الدولة وإدارته ومستقبله، وتنشيط الاستثمار الداخلي أساساً في القطاعين الحكومى والخاص.. وهى قضايا قد تتماسى مع التعاون الدولي وجلب الاستثمارات الأجنبية.. لكن هذا التماسى محدود وجانبي، وينبغى تنسيق التعاون بينهما من خلال وزارة التخطيط، وليس من خلال وضعهما تحت إشراف وزير واحد.. والواقع أن هذا الدمج (من زاوية الإشراف فقط) يثير أسئلة جدية حول فلسفة هيكلة الوزارات وإدماجها وتفكيكها، وتأثير ذلك علي كفاءة إنجاز تلك الوزارات لمهامها، وتوعية الخبرة وكفاءة الإنجاز لدى الوزير المحدد الذى تبعث علي الثقة في قدرته علي النهوض بمهام وزارته بنجاح.

غير أن الحقيقة هى أن هذا المعيار لو كان واضحاً لدي المهندس شريف إسماعيل لما كان قد اختار أحمد زكى بدر مثلا وزيرًا للتنمية المحلية ومشرفا علي عمل المحافظين، ولا كان قد اختار الهلالي الشربينى وزيرًا للتربية والتعلين، أو سمح باستمراره في الحكومة بعد فضيحة تسرب امتحانات الثانوية العامة.

وبديهى أن الصورة ليست قاتمة كلها.. فهناك اختيارات تبدو موفقة مثل اختيار الدكتور هشام الشريف وزيرا للتنمية المحلية، والدكتور طارق شوقي وزيرا للتعليم.. وكلاهما أفضل بكثير من سابقه.. ويبقى أن نرى أداءهما في الممارسة.. وبديهى أننا نتمنى لهما كل التوفيق.

ويظل الأمر الملح أشد الإلحاح هو ضرورة إقامة «بنك للكفاءات والخبرات» تقوم هيئات رقابية وعلمية وإدارية وفنية من خلاله بالسهر علي دراسة ملفات الكوادر المتميزة في الجامعات ومراكز البحث العلمي وهيئات ومؤسسات الدولة القطاع الخاص.. الخ بحيث يكون لدينا مرشحون عديدون لكل المناصب الكبرى يتميزون بالنزاهة كشرط حاسم وأولى.. وبالكفاءة والخبرة والقدرة علي الإنجاز والمهارات القيادية الإدارية، والرؤية السياسية الوطنية وغير ذلك من الصفات القيادية المطلوبة في الأشخاص الذين يتولون مسذوليات كبري أو كبيرة في البلاد.. علي أن تتم متابعتهم وتقييم أدائهم لفترات كافية.. وبالمناسبة فإن هذا يحدث بأشكال مختلفة في أغلب البلاد المتقدمة، سواء من خلال مدارس وكليات النخبة، أو العناصر البارزة في الأحزاب السياسية الحاكمة والمعارضة، ونشاطهم في المجالس المحلية والبرلمانات وغيرها من المهام الاجتماعية والسياسية..

وبغير ذلك سنظل نتخبط طويلا، ونختار من نفس الصندوق القديم.. معتمدين علي «الحظ» وحده..